وسوم


الكاتب: مؤمن العنان

إن اللفظ يحمل الدلالة، والعلاقة بين اللفظ ودلالته كالعلاقة بين الجواهر وأعراضها، فالدلالة تدور حول اللفظ دوران الأعراض حول جواهرها، وعلى هذا لا يمكن فهم المراد من اللفظ بتجرد عن دلالته، كما لا يمكن أن يُتَصوَّر وجود الدلالة دون تصور اللفظ الذي انبثقت منه أصلاً.

واللفظ العربي لا يقتصر إدراك معناه على النطق فقط، ولهذا ركَّز علماء اللغة على أن اللفظ الدَّال يجب أن تجتمع فيه ظاهرتان:

- ظاهرةٌ تتعلق بالصوت، أي باللفظ المنطوق به الذي تنشأ عنه الدلالة.

- وظاهرة تتعلق بالدّلالة، أي بالدلالات الناشئة عن هذا اللفظ.[1]

وإن دلالة الإشارة كأحد أنواع الدلالات الناشئة عن اللفظ ذات أثر بالغ في التعبير عن المعنى، وهي دالَّة على سعة الوعاء اللفظي، حيث لا يقتصر معنى اللفظ على ما يدل عليه رسمه المنطوق به، وإنما يردف هذا المعنى معنى آخر مأخوذ من ذات الصيغة اللفظية، إلا أن هذا المعنى الذي دل عليه اللفظ، ولم يقصده المتكلم أصلاً اصطلح عليه علماء اللغة اسم”الإشارة”.

فالإشارة نوع من الدلالة اللغوية، وليست إلا قسمـًا من الدلالة المنطوق بها، وقد استحسنها اللغويون لأنها تمتلك ناصية التعبير عن المعاني المتعسرة على اللفظ المنطوق، فتقوم بترجمة  المعاني التي تعسَّر على اللفظ الإفصاح عنها، ولعلها استعيرت من تعبير العاجز عن النطق كالأخرس ونحوه، فتنوب عن اللفظ في الإفصاح عن المعاني التي يصعب على اللسان التعبير عنها، ومن هنا يأتي قول الجاحظ:”نِعمَ العون هي له، ونِعمَ الترجمان عنه، وما أكثر ما تنوب عن اللفظ.. الخ”، وهذا يجعل الإشارة مرتبطة بعلم البيان الذي يدل على المعاني التي يتناولها اللفظ أو يعبر عنها، والذي تدخل فيه الاستعارات والكنايات وأنواع البيان المأخوذ من وراء العبارة اللفظية لكن بطريقها، ولهذا قال ابن منظور: “وحسن الإشارة من تمام حسن البيان”.

وقد اعتنى علماء اللغة والبيان بالدلالة على وجه العموم، ودرسوها بعمومها، وقل من درسها بأقسامها، وذلك في أبواب مختلفة من علوم العربية، ومن أهمها علم البيان والأشباه والنظائر، وقد بَيَّن السيوطي (911ه‍) أن هذا العلم بحثه المتقدمون والمتأخرون باسم الأشباه والنظائر، وذكر من صَنّف فيه من المتقدمين أمثال مقاتل بن سليمان، ومن المتأخرين كابن الجوزي وابن فارس، وبيّن أصناف الألفاظ التي تحتمل عدة معانٍ ووجوه وقال:”وقد جعل بعضهم ذلك من أنواع معجزات القرآن، حيث كانت الكلمة الواحدة تنصرف إلى عشرين وجهـًا وأكثر وأقل، ولا يوجد ذلك في كلام البشر. وذكر مقاتل في صدر كتابه حديثـًا مرفوعـًا “لا يكون الرجل فقيهـًا كلَّ الفقه حتى يرى للقرآن وجوهـًا كثيرةً”، وقد فسَّره بعضهم بأن المراد أن يرى اللفظ الواحد يحتمل معانٍ متعددة، فيحمله عليها إذا كانت غير متضادة، ولا يقتصر به على معنى واحد، وأشار آخرون إلى أن المراد به استعمال الإشارات الباطنة وعدم الاقتصار على التفسير الظاهر”.[ii]

 

صلة اللفظ بالمعنى:

وإن الدراسات اللغوية السابقة قد تعرضت – بإجمال أو تفصيل – للبحث في صلة اللفظ بالمعنى، وتعرضت بعض الدراسات  بشكل مقتضب إلى اختلاف اللفظ والمعنى،  كما  لكتب”غريب القرآن” و”مشكل القرآن” الأثر الكبير في توجيه البحوث اللغوية في مدلول اللفظ، وتعد بحوث الأضداد من أهم البحوث التي عنيت بدراسة المدلول، وقد تناولها اللغويون بالدراسة البحث، فأفردوا لها المصنفات بهذا الاسم، كالأصمعي(216ه‍)، وأبو حاتم (248ه‍)، وابن السِّكّيت (244ه‍)، وابن الأنباري (327ه‍).

وقد يكون البحث في المدلول جزءًا من البحث العام في لغة القرآن وبيانه، كما فعل أبو عبيدة (209ه‍) في”مجاز القرآن”، وابن قتيبة (267ه‍) في “مُشكل القرآن”، ومما يشدّ نظر المستقصي لهذه الدراسة اجتهاد مؤليفها في بحث معنى اللفظ المفرد وصلته بالسياق، ومدى اختلاف معناه باختلاف تركيبه في الجملة، ثم مدى تبعيته للعبارة.

وإن ما يحكم العلاقة بين الدَّال والمدلول، أو الصور اللفظية والمعاني المنبثقة عن تلك الصور من إشارة وغيرها، إنما هي جملة من الضوابط والمعايير التي لا يمكن إغفالها وتجنبها، وإلا انهار البنيان العلمي لذلك العلم الذي يختص بدراسة الدلالات اللغوية وعلاقتها بمدلولاتها، كما قال صاحب خزانة الأدب: “هي أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على المعنى الكثير، بإيماء ولمحة تدل عليه، وهذا ضربٌ من البلاغة يمتدح به فاعله”.[iii]

 

اللغة العربية ونظريات النقد الأدبي الغربية

إن اللغة العربية تحدد فيها مجموعة الضوابط والمعايير حقيقة العلاقة بين الدّال والمدلول، أو بين ما يسمى بالصورة اللفظية والمعاني المنبثقة عنها، وهنا يكون جوهر الخلاف بين اللغة العربية ونظريات النقد الأدبي الغربي، حيث تعتمد تلك النظريات في دراسة العلاقة بين الدال والمدلول على أسس ونظريات متباينة ومختلفة، وكلها نظرات حديثة التصور ليس لها جذور لغوية، وهذا ما يجعلها رابضة تحت مجهر البحث والتطوير للإجابة على السؤال الذي أثار جدلاً كبيرًا في الساحة الفكرية الغربية، ألا وهو هل الهدف من قراءة النص الوصول إلى معناه أم أن مغزاه تحقيق المتعة؟ أم الوصول إلى تفسير موجَّه للمعنى أم إشباع نفسي؟ إلى غير ذلك من المحاور التي أفرزها الخلاف الكبير حول ما يعرف في علم اللغة ثنائية (القارئ- النص)، وإن الدراسات الغربية لم تستقر بعد عند حدٍ معين، فلا تزال في طور نموها وتطورها![iv]

وإن الإشارة كنوع من أنواع الدلالة، تضعها اللغة العربية مع سائر الدلالات اللغوية الأخرى، تحت الضوابط والمعايير التي تحكم مدى دقتها وعمقها في التعبير عن المعنى المراد. بينما نجدها في تلك المناهج الغربية لا تخضع لضابط أو ميزان، باستثناء هوى القارئ أو السامع ورغبته في أن يكون المعنى المراد من النص هو ما يرغبه ذهنه في أن يكون، حتى ولو لم يوافق رأي قائله أو مراده، وهذا ما يسمى بـ”نداء حرية القاريء” الذي أطلقه بارث، أحد رواد المنهج التفكيكي، المنهج الذي يعتمد على تجزيء الجملة، وربما اللفظة الواحدة لانتزاع المعاني من ورائها انتزاعـًا تعسفيًا، من غير ضابط أو ميزان  بل بمزاج حرٍّ من القارئ، مطلق عن أي ضابط أو قيد، فله أن يحكم على النص الذي يمرُّ عليه ويفهم منه ما يحلو لفكره ورأيه، ولو كان ذلك على حساب البنية اللفظية للكلمة أو الجملة، بل وينساق أنصار هذه النظرية وراء فكرتهم هذه إلى درجة النشوة التي تتخيلها عقولهم، فكلما حصلوا على معانٍ أكثر كلما كان ذلك إبداعـًا عظيمـًا، كما يعبّر عن هذا كريستوفر نورس بقوله: “التفكيكية لا ترسم خطـًا فاصلاً بين ذلك النوع من القراءة اللصيقة التي تناسب النص الأدبي، وبين الإستراتيجيات اللازمة لاستخلاص مضامين لـغة النقد الأكثر غموضـًا.. ويتمخض ذلك عن رفض تام، بكل معاني هذه الكلمة، لنظام الأولويات الذي يحكم العلاقة التي بين لـغة الإبداع ولغة النقد”[v]، وهو أيضـًا عين ما توصل إليه رولان بارث في كتابه لذة النص، وجاك بيرك في كتابه القرآن والقراءة[vi]، وغيرهم ممن حاول تطبيق النظريات اللغوية الغربية على نصوص اللغة العربية وخاصة على القرآن الكريم[vii]، ويبيِّن الأستاذ ميشال زكريا أنّ التفكيكية هي المجموع الناتج عن اقتران الدال بالمدلول، وأنّ الرابط الذي يجمع بين الدال والمدلول رابط كيفي!!.[viii]

 

البنية اللفظية وعوامل استقرارها

إن استقرار البنية اللفظية له الدور الأكبر في دلالة اللفظ على المعنى، لأن وحدة اللفظ تشكل مع وحدة الجملة كلاً يتوقف عليه تمام المعنى الذي يراد من الكلام، والدلالة المأخوذة من اللفظ لا تخرج عن تلك الوحدة بحال، فمن غير الممكن أن يكون لتلك النظريات تطبيقٌ فعليٌ على نصوص اللغة العربية بحال، لأن ما بين تلك المناهج الغربية والمنهج المتفق عليه في اللغة العربية بونٌ شاسعٌ وفرقٌ كبيرٌ، بحيث لا يلتقيان في الطريقة ولا في الهدف والنتيجة، فإسقاط مقاييس لغة على نصوص لغة أخرى لن يكون مجديـًا في فهم تلك النصوص، هذا على فرَض أن تلك النظريات قد صحّ تطبيقها على لغات أهلها وقبلت وكانت مفيدة في إعادة قراءة نصوصها وتاريخها ومبادئها..  كما أن تطبيقها على لغة أخرى لا يعطي تلك المقاييس فاعلية في التطبيق العملي على أي نص آخر، وبالتالي فالحكم على تلك النصوص بحكمٍ ما سيكون أمرًا مجانبـًا للمنهج العلمي، ونوع من العبث بالعقول والمفاهيم والمبادئ، كما أن الحكم على المقاييس بالعقم والفشل أمر مرفوض قطعـًا، لعدم التقاء تلك المقاييس مع النصوص التي يتم التطبيق عليها.

وإن نظريات النقد الأدبي الغربية كالتفكيكية والبنيوية وغيرها، لن تشكل المفتاح الذي سيفتح أمام المسلمين أبواب نهضتها التي فقدتها كما ادعى أصحابها، بل لا أرى فيها إلا المفتاح الذي سيقفل عليها أبواب السراديب الممتدة في الظلمة التي يعيشها المسلمون، ولا أَدَلّ على قولي هذا إلا ما كتبه دعاة هذه النظريات أنفسهم، فيقول بعضهم:”فلكل باب قفل ومفتاح، ولكل حجاب كشف وإيضاح، كما أننا نتطلع إلى ضرورة فتح أقفال التراث العربي بواسطة مفاتيح التأويل الرمزي والفلسفي والنفسي واللغوي، وليس من اللائق اتهام القراءات التأويلية لهذا التراث على أنها إسقاطات تعسفية، أو تلفيقات هجينة، أو تدخل النسبي في المطلق، وتحكّم المدنّس في المقدس. فإذا فقدت الذات مفتاحها الخاص في فتح أقفال تراثها، فليس عيباً أن تستعير – بكل ماتحتويه كلمة استعارة من دلالات النقل والتحويل والترجمة والجودة والعطاءة – المفتاح الذي يمتلكه الفكر الآخر في فتح ما انغلق وتيسير ما استعسر”.[ix]

فهذه الدعوة إلى إقحام التأويلات في فهم الكلام العربي، ليست إلا دعوة إلى نسف الأسس والضوابط والمعايير التي يرتكز عليها البناء اللغوي العربي، لأن التأويل عند العرب المسلمين له قواعد وأسس، ولا يكون بمجرد الهوى، وإلا فإن المفاهيم ستصبح لا مفاهيم، والمعنى يصير بلا معنى، وهذا ما سماه كوربان تأويلاً فلسفيًا وأشار إلى أهميته في قراءة التراث الإنساني في كل جوانبه الأدبية والفنية والفلسفية والروحية، وقد بين ذلك بعضهم فقال: “التأويل الفلسفي – عند كوربان – هو مفتاح المعنى المتواري وراء أو تحت العبارات الظاهرة المرئية”.[x]

 

الباطنية ونظريات التفكيك

قد تكون فكرة اقحام التأويلات في فهم النص العربي ونسف الأسس والضوابط التي يرتكز عليها البناء اللغوي العربي هي محور اللقاء الذي توهَّمه الكثيرون، بين منهج الصوفية في التأويل، ومنهج الباطنية الذين يقدمون التأويل البعيد على التفسير المنضبط، لتتفق الباطنية بذلك مع بعض نظريات النقد الأدبي الغربية اتفاقـًا كليـًا، حيث وجدوا فيها ما يسوّغ لهم جنوحهم في المعاني، وشرودهم عن مرادات النصوص، إلى تأويلات بعيدة، حيث تعتمد تأويلاتهم على مفاهيم قائمة على التطبيق العملي لبعض تلك النظريات، مما يبرر جنوحهم، ويخدم تأويلاتهم البعيدة، وهذا ما يصرِّح به أحد أبرز أعلام الباطنية، صاحب كتاب “المدرسة التفكيكية”، ويكشف فيه عن عمق صلة هذا المنهج بنظرية التفكيك من جهة، وعلاقة التأويل بالتفكيك من جهة أخرى، ويبين في كتابه هذا ما لهذه النظرية من أثر بالغ في طرق استخراج المعنى الباطن من النص ولو انتزاعـًا، وسلخ النص القرآني عن مقصوده ومضمونه، وعزله عن جميع الضوابط العلمية المنوط بها تفسيره، ليحصل القارئ على الفهم الذي يشاء، فيكون النص القرآني خادمـًا لفكرته، ومؤيدًا لرأيه مهما كان، وإليك كلامه بنصه:”والآن وبعد أن اتضحت لنا معالم المسار الفكري العام الذي اختطه المسلمون من خلال مدارسه واتجاهاته الفلسفية والعرفانية، ودور التأويل الذي مارسه المفكرون والفلاسفة في تعاطيهم مع مختلف الآراء والنظريات مع الكتاب والسنة أيضـًا، نجد أنفسنا وجهـًا لوجه أمام مسؤولية عظمى يؤكدها العقل وبشدة، ألا وهي مسؤولية القيام بالتفكيك، ونعني بالتفكيك أن يتصدى علماؤنا ومفكرونا لهذا السيل الجارف من التأويلات ومحاولات المزج والتهجين، والعمل على تأصيل المعرفة القرآنية والحقائق السماوية وتنقيتها من الذوبان، وهذه المسؤولية تشكل ضرورة علمية كما أنها واجب شرعي وخدمة معرفية إلى التاريخ والإنسانية.. فمثلاً إذا كان هناك سؤال عن رأي القرآن الكريم بالذات حول المعاد، وما يمكن أن نستفيده من القرآن في خصوص المعاد وقضاياه، بغض النظر عن الأفكار والآراء الأخرى التي وردتنا سواء التي تم تطويرها وأسلمتها أو التي بقيت على هيئتها السابقة، في مثل هذه الحالة لابد من إجابة صريحة بأن يقال هذا هو رأي القرآن في خصوص المعاد من دون أي تأويل أو مزج”.[xi]

أيُّ مسؤولية تفكيك منوطة بعلماء المسلمين، وهو يدعوهم إلى تنقية الحقائق القرآنية من الذوبان؟! والذوبان في ماذا؟ وتأصيل المعرفة القرآنية.. في الوقت الذي يدعوهم فيه إلى التصدي لما أسماه السيل الجارف من التأويلات، ومحاولات المزج والتهجين، والتي وصفها غيره بـ”إسقاطات تعسفية، أو تلفيقات هجينة”، فإذا كانت التفسيرات القائمة على ضوابط من مجموع ما عُلِمَ من الدِّين ضرورةً، وما تتحصل به مقاصد الشريعة، بحيث تشكِّل تلك الضّوابط والمقاصد أداة كلية لفهم النص الشرعي وتطبيقه، فإذا كان كل هذا يشكل سيلاً جارفـًا من التأويلات، ومحاولات المزج والتهجين، فماذا يسمي تجريد النص عن مقاصده ومقتضيات فهمه؟[xii]

نلاحظ أن كلام السيد رضا حكيمي لا يختلف عن كلام كوربان وغيره من التفكيكيين، وهو يتكلم عن التأويل الفلسفي ودوره البليغ في إعادة قراءة التراث الإنساني في كل جوانبه الفنية والأدبية والفلسفية والروحية، وذلك بفهم محتوياته النظرية ومضامينه الرمزية، باستعمال المفاتيح اللغوية والرمزية في إدراك حقائق هذه الأجزاء في سبيل فهم التراث برمته، وتأويله بما يتناسب واصطلاح الحداثة، ليطابق المعنى ووحدة الهدف..[xiii]

منهج الفكر الإسلامي في تفسير النصوص العربية

إن اللفظ كوعاء حامل للمعاني لا بد وأن يفرز المعاني التي تتناسب مع الموضوع المتكلَّم فيه، فإن دل اللفظ على معنى محدد صراحة فإنه يصرف إليه مباشرة، وإن احتمل اللفظ عدة معانٍ صار لابد من البحث عن قرينة أو دليل لصرفه إلى أحد معانيه التي يفرزها بشكل مجرد، فهذا ما قرره علماء اللغة العربية وأصول الاستنباط قديمـًا وحديثـًا، ومن هنا نشأت أنواع الدلالات اللفظية، والدلالات غير اللفظية، والحقيقة والمجاز وأنواع البيان من العام والخاص والمشترك والمطلق والمقيد وغير ذلك.

إن فهم النص العربي يستند إلى أسس وضوابط تواضع عليها علماء اللغة، والتزموا بمنهج لتحديد المعنى الدقيق للكلمة أو التركيب، ثم استعانوا على ذلك ببعض الإجراءات كوسيلة مساعدة في تحديد المعنى الفهم النص، ويمكن تحديد هذه الإجراءات بثلاثة نقاط أساسية:

  1. مراعاة مقاصد الشريعة في فهم الأحكام الواردة في النصوص، وهذا ما أعانهم على حل بعض الإشكالات الدلالية، كالمتعلقة بالمتشابه وغيرها.
  2. اللجوء إلى قرائن السياق في تحديد المعنى، وفهم الأثر الذي تقوم به هذه القرائن في تحديد دلالة النص.
  3. التقسيمات المحكمة للألفاظ، والتي تقوم على إدراك القيمة الدلالية فيها، وتستند إلى فهم العلاقة بين اللفظ والمعنى، سواء كان مرجع ذلك الوضع اللغوي، أم الاستعمال، أم قوة دلالة اللفظ على المعنى.

وبناء على ما سبق يتبين أن الفكر الإسلامي يعتمد على منهج متكامل في فهم النص الشرعي، ومعرفة الحكم المراد من هذا النص، ومن ثم تطبيقه وممارسته والعمل به، ومن ثم فإن تطبيق هذا المنهج في فهم نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، لا يختلف عنه في فهم النصوص اللغوية شعرية كانت أم نثرية، ومن هنا يتبين لنا سبب اشتراط علماء التفسير وأصول الاستنباط أن يكون المفسِّر لكتاب الله ممتلكـًا لناصية الذوق للكلام العربي، وذلك بمعرفة قواعده ودلالاته، ومعرفة جميع ما يتصل به من علوم لغوية.

ولا يخفى أن بعض هذه الضوابط يتعلق بأي نص عربي كان، وبعضها الآخر يتعلق بالقرآن الكريم، وبعضها يتعلق بالسنة، وبعضها ما يكون مشتركاً بين الجميع، أو ما يشترك بين بعضها، وهذا له مصادره المعروفة في اللغة والتفسير وعلوم القرآن، قال الإمام السيوطي: “وتمام هذه الشرائط أن يكون ممتلئـًا من عُدَّة الإعراب، لا يلتبس عليه اختلاف وجوه الكلام، فإنه إذا خرج بالبيان عن وضع اللسان إما حقيقة أو مجازًا فتأويله تعطيله”.[xiv]

وهذا المنهج في فهم الكلام العربي ونصوص الشريعة الإسلامية قد بيَّنه علماء اللغة والتفسير وأصول الاستنباط، حيث وضعوا ضوابط على شكل قوانين اصطلاحية، اتفق عليها علماء المسلمين، فلا يجوز العدول عنها وتركها، حتى تتحقق مقاصد الشريعة، ولا يخرج النص عن مقصده وعن الهدف الذي أنزل من أجله.

وتتصل تلك الضوابط بحلقة متكاملة مع جميع العلوم الإسلامية الأخرى، من توحيد ولغة وأدب وبيان وفقه وقواعد أصولية وغير ذلك، ولهذا نجد الإمام الغزالي قد وضع مبحث قواعد استنباط الأحكام من الألفاظ في كتابه – المستصفى في أصول الفقه – تحت هذين العنوانين:”كيفية استثمار الأحكام من الألفاظ”و”طرق استثمار الأحكام إما من صيغة اللفظ أو إشارته أو مقتضاه”.[xv]

وإن النص القرآني لا يتوقف فهمه على الدراية بقواعد اللغة العربية فقط، وإنما على ضرورة اجتماع المعرفة بقواعد الاستنباط المتصلة بعلم أصول الفقه مع قواعد اللغة العربية وملحقاتها من قراءات ولغات وغير ذلك – مما يطلب من مظانه – ومن هنا ندرك الفروق الكثيرة في تفسير النص الواحد، حيث تختلف نسبة المعرفة بهذه القواعد من عالِم إلى آخر، كما تختلف نسبة الإدراك من إنسان إلى آخر، وذلك لأن النصوص متعددة من حيث كيفية إدراكها، فمنها ما يتحدد مفهومه والمراد منه لكل عربي، ومنها ما يتعسر إدراك معناها على كل أحد ما لم يرد به تفسير من رسول اللهr ، ومنها ما يتردد فهمه في ذهن قارئه فيحتاج إلى بيان، وهذا التقسيم هو الذي أشار إليه ابن عباس t بقوله:”التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، ووجه لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله”.[xvi]

بعد أن اتضحت معالم الفكر الإسلامي في تفسير النصوص العربية عمومـًا والقرآن الكريم خصوصـًا، وبعد أن تبين لنا الفرق، من حيث اللغة، بين ما يسمى بـ الإشارة، وبين ما يسمى بـ التأويل، وكما يظهر لنا خروج كلام وتأويلات الذين تكلموا في بيان القرآن وتفسيره بموجب تأويلات عقلية محضة قد يوافقها العقل أو يخالفها، أو بموجب أفكار ناشئة عن الانتصار لمذهب أو فكرة أو عقيدة من العقائد التي لا تتفق مع اعتقاد أهل السنة والجماعة، وذلك مثل كلام الباطنية وتأويلاتهم لآيات القرآن الكريم، والدَّعوات التي نادى بها بعض المعاصرين، والذين حكمت عليهم أكثر دوائر العمل الإسلامي بالكفر والزندقة من أَمثال نصر حامد أبو زيد وأضرابه.

ورأيت من المناسب أن أنقل في ختام هذا الكلام كلام العلامة الشيخ أحمد زروق في المسألة:”يعتبر اللفظ بمعناه، ويؤخذ المعنى من اللفظ، فكل طالب اعتنى باللفظ أكثر من المعنى، فإنه تحصيل المعاني، وكل طالب أهمل اللفظ فإن المعنى بعيد عنه. ومن اقتصر على فهم ما يؤديه اللفظ من غير تعمق ولا تتبع، كان أقرب لإفادته واستفادته. فإن أضاف لفهم المعنى أجزاء النظر في حقيقته بأصول اهتدى للتحقيق، إذ العلوم إن لم تكن منك ومنها كنت بعيداً عنها. فمنك بلا منها فساد وضلا


[1] سيد أحمد عبد الغفار، التصور اللغوي عند الأصوليين /80-81/.

[ii] السيوطي، الإتقان 1/409-410. الآمدي في مقدمة كتابه إحكام الأحكام 1/11.

[iii] الحموي، خزانة الأدب 2/258. محمد زغلول سلام، أثر القرآن في تطور النقد العربي /162-173/.

[iv] بحيري، علم لغة النص 163-169.

[v] كريستوفر نورس، التفكيكية 55-65.

[vi] نُشِر الكتاب بعنوان “إعادة قراءة القرآن”.

[vii] انظر في محاولات تطبيق تلك النظرية على النصوص العربية والقرآن الكريم، في كتاب علم اللغة بين التراث والمناهج الحديثة لمحمود حجازي.

[viii] ميشال زكريا، علم اللغة الحديث 241.

[ix] محمد شوقي الزين، تأويلات وتفكيكات /28/.

[x] محمد شوقي الزين، تأويلات وتفكيكات /28/.

[xi] حكيمي، المدرسة التفكيكية /46-48/.

[xii] انظر الزين، تأويلات وتفكيكات /27-29/، سعيد بحيري، علم لغة النص 162-180.

[xiii] انظر: منذر عياشي، اللسانيات والدلالة 25-30. وللإطلاع ينظر: محمد زغلول سلام، أثر القرآن في تطور النقد اللغوي. أحمد عبد الغفار، التصور اللغوي عند الأصوليين. سيد سيد عبد الرزاق، المنهج الإسلامي في النقد الأدبي. عبد العزيز حمودة، المرايا المحدبة. محمد شوقي الزين، تأويلات وتفكيكات. رونالد ايلور، مدخل إلى اللسانيات. بيير جيرو، علم الإشارة. رولان بارث، لذة النص.

[xiv] السيوطي، الإتقان 2/468.

[xv] الغزالي، المستصفى 1/280 ، 342.

[xvi] الطبري، جامع البيان 1/57.