وسوم


الكاتب: مؤمن العنان

أكد علماء اللغات على أن الصياغات اللغوية لأي لغة واستخداماتها تعبر بشكل مباشر عن القيم الثقافية للمجتمع الذي يمارس تلك اللغة، وأن الكفاءة اللغوية وحدها غير كافية في تحصيل المتعلمين لتلك اللغة، والمجتمع العربي يحمل قيمًا ثقافية كبيرة، لها أثر بليغ في سلوك أبنائه، فكان لابد لمتعلم اللغة العربية أن يتعرف على قيم المجتمع العربي الثقافية ليراعيها عند استخدامه اللغة العربية، وتوضيح ذلك من حيث أن:

-     حاجة متعلمي اللغة العربية كلغة أجنبية إلى إدراك الطرق المناسبة ثقافيًا لمعاملة أبناء العربية، وذلك كإعرابهم عن امتنانهم واستفسارهم وشكواهم، وأساليب الاتفاق والاختلاف مع شخص ما.

-     السلوكيات وأنماط التعامل المناسبة لخطاب المجتمع العربي ينظر إليها بشكل مختلف من قبل متعلمي اللغة العربية، وكي يحققوا تواصلاً فعالاً مع أبناء العربية عليهم استخدامها بطريقة متوافقة مع القيم الثقافية للمجتمع الناطق بها.

ومن جهة أخرى، عند تعلم لغة أجنبية، واللغة العربية منها، فإن الثقافة تدرك ضمنًا مع الصياغات اللغوية التي يتم تعلمها. مما يجعل متعلمي اللغة العربية على بينة من المميزات الثقافية التي تنعكس بشكل مباشر في  في اللغة التي يتعلمونها. ويمكن للمعلمين أن يجعلوا من تلك السمات الثقافية موضوعاً للمناقشة، فيما يتعلق بالصياغات اللغوية التي يتم تعلمها، ومثال ذلك:

في أسلوب النداء أو الطلب ينبغي إظهار الاحترام، ولذلك نقول: “من فضلك يا فلان املأ هذه الاستمارة”، فلو قالها بصيغة الأمر المجرد، مثل: “املأ الاستمارة” لكان قوله صحيح لغة لكنه قبيح من حيث الاستخدام، وربما أثار حفيظة من يخاطبه، لأنه يشعر بعدم الاحترام. ومن هنا لابد للمعلم من تضمين القيمة الثقافية التي تضع المتعلم في ميزان القبول اللغوي لدى أبناء العربية.

لا يجوز تقديم المعلومات الثقافية لمتعلمي اللغة العربية كلغة أجنبية بطريقة الحكم على ثقافات المتعلمين، إذ لا مكان للتقييم أو للحكم على الفروق الثقافية بين ثقافات المتعلمين والمعلمين. وإن استكشاف المتعلمين وفهمهم للثقافة العربية عند تعلم اللغة العربية بهذه الطريقة يحقق لهم مستوى عال من التقدير الإدراك لطريقة الناس وأساليبهم في فعل الأشياء من خلال ثقافتهم والحفاظ على خصوصياتها.

استراتيجيات تعليم اللغة والثقافة: ينبغي التخطيط بعناية لأهداف الأنشطة الثقافية، وإدراجها في خطط الدروس لإثراء وإبلاغ مضمون التعليم، وهنالك أفكار مفيدة لتقديم الدروس ذات الصلة بالثقافة، منها:

أ‌)  المواد التعليمية الأصلية: إن استخدام المصادر الحقيقة الموثوقة من المجتمع الناطق باللغة العربية يساعد الطلاب في الانخراط بتجارب ثقافية حقيقة. ويمكن أن تتضمن المصادر الكتب الثقافية والأفلام والنشرات الإخبارية والبرامج التلفيزيونية وصفحات مواقع الإلكترونية، والصحف والمجلات وقوائم المطاعم وغيرها من المواد المطبوعة. وإن مناقشة هذه المواضيع قد تشمل السلوكيات غير اللفظية، كبعد المسافة بين متحدثَين، ولغة الإشارات والعيون، والأدوار الاجتماعية، وكيف يتواصل الناس مع بعضهم في أدوار اجتماعية مختلفة. وربما يصف الطلاب السلوكيات التي يطلعون عليها ويناقشونها بأنها مماثلة أو غير مماثلة لثقافاتهم، وبالتالي تحديد الاستراتيجيات لتواصل فعال في تعليم اللغة الثانية.

ب)  الأمثال: إن مناقشة الأمثال الشائعة في الغة الهدف يمكن أن تركز على أوجه الاختلاف والاتفاق بين ثقافة الطلاب وثقافة اللغة الهدف، وكيف تبرز هذه الفروق للخلفيات الثقافية والتاريخية. وإن استخدام الأمثال كوسيلة لاستكشاف الثقافة يزود المتعلم بوسيلة لتحليل الصور النمطية عن المفاهيم الخاطئة في الثقافة، وكذلك بوسيلة لاستكشاف القيم الثقافية التي تتمثل غالبًا في الأمثال عن ثقافتهم.

ت)   تبادل الأدوار: عند تبادل الأدوار يمكن إبعاد الطلاب عن سوء الفهم الناشئ عن الإختلافات الثقافية، مثاله: بعد تعلم طرق معالجة مجموعات مختلفة من الناس في اللغة الهدف، كالذين في نفس العمر وكبار السن، يمكن أن يلعب الطالب دورًا لموضع غير مناسب للتحيات في الاستخدام. وطلاب آخرون يراعون الدور ويحاولون إبراز سبب سوء الفهم. وبالتالي يلعبون دور نفس الحالة مستخدمين المناسب ثقافيًا.

ث)    لمحات ثقافية: إن تقديم عناصر معينة من التصاميم الفنية واللوحات والأدوات والمجوهرات التي تعبر عن ثقافة اللغة الهدف يعدّ بوابة مباشرة للدخول إلى عالم اللغة الهدف من باب ثقافتها، وبعد ذلك تقع على الطلاب مسؤولية استكشاف المعلومات الثقافية منها عن طريق الأسئلة، ويمكنهم كتابة ملخص وجيز أو تقديم عرض شفوي أمام الصف عن أهمية الجوانب الثقافية ذات الصلة. وهذا يعد أساسًا يمكن للمعلمين البناء عليه لإيصال الطلاب إلى إدراك وفهم لأبعاد أكبر من الجوانب الثقافية واللغوية والتاريخية للمجتمع التي ترتبط بهذه العناصر.

ج)   الطلاب كمصادر ثقافية:  إن المدراس أو الصفوف ذات التنوع العرقي والثقافي تعد بيئة ملائمة لاستثمار تنوعهم العرقي في فهم ثقافة اللغة الهدف، وأما المعلم فهو مدير لهذه الحوارات الثقافية بهدف الوصول إلى اللغة الهدف. هذه الحوارات يمكن أن تحرر التقاطعات الثقافية بين ثقافة اللغة الهدف وثقافات الطلاب، وبالتالي الوصول إلى فهم دقيق للثقافة الهدف يساعد في استخدامها في التعبير باللغة الهدف.

ح)   الدراسات الإنسانية: إن الدراسات الإنسانية تعدّ من الوسائل الفعالة لتعلم اللغة الهدف من خلال رجوعهم إلى مجتمع اللغة الهدف ومعرفة جوانبه الثقافية والعيش في جوانبها، ويمكن لهم حمل هذه الصور والجوانب إلى الصف ومناقشتها مع الأستاذ وباقي الطلاب، وعلى المعلم تكليف الطلاب بشكل فردي وجماعي ومع المدرسة وذلك لإدخال الطالب في بيئة الثقافية العربية، ومن المهم ملاحظة أن مجتمع اللغة العربية أو اللغة الهدف يتطلب قدرًا كبيرًا من المعلم لتهيئة الطلاب وتقديم الإشراف المستمر عليهم بهدف الوصول إليها.

خ)    أدب اللغة الهدف: تعدّ النصوص الأدبية مصدرًا غنيًا بالمعلومات الثقافية، وغالبًا ما تثير لدى القارئ والمتعلم ردود أفعال لا تنسى، والنصوص المختارة بعناية لمجموعة من الطلاب وذات أهداف محددة في الاعتبار يمكن أن تكون بيئة مفيدة للسماح للطلاب باكتساب نظرة عميقة عن الثقافة.

د)    العروض التمثيلية والتلفيزيونية:   إن العروض التمثيلية في السينما والتلفيزيون تعرض فرصًا للطلاب لمشاهدة السلوكيات الثقافية التي لا توجد في النصوص المكتوبة. وغالبًا ما تكون العروض التمثيلية أكثر شمولية في الإحساس والعيش في الحالة الثقافية إن كانت واقعية وأتت بالصورة الحقيقة، وهذا الأمر يربط الطلاب باللغة وثقافتها بآن واحد. ومثال ذلك: تصور توقيت المحادثة أو أخذ المتكلم دوره في المحادثة، وقد أكد عدد كبير من الطلاب الذي شاهدوا عروضًا تمثيلية ومقاطع تلفيزيونية في الصف أنهم حققوا مكاسب كبيرة من المعرفة الثقافية الشاملة التي أثّرت تأثيرًا كبيرًا في معرفتهم باستخدام اللغة الهدف.

ذ)   الاستنتاج: إن فكرة تعليم الثقافة ليست جديدة على معلمي اللغة الثانية، في كثير من الحالات تعليم اللغة الثانية يركز على تعليم الحالات الثقافية، فكثير من الدروس تكون عن أيام العطل وأنشطتها، والمناسبات، والملابس التقليدية والأغاني الشعبية، والأطعمة، وعادات المجتمع وغير ذلك. وأحيانًا تكون هذه المواضيع مفيدة من غير سياق موسّع أو إطار يعرض القليل في سبيل إثراء لغوي، أو رؤية اجتماعية خاصة، إذا كان الهدف من تعليم اللغة تمكين الطلاب من استخدام اللغة العربية بفعالية المجتمع العربي.

إن فهم السياق الثقافي لأحداث التخاطب اليومي، كالترحيب والوداع وصيغ التخاطب والشكر والاستفهام والطلب وتبادل المجاملات، كل ذلك يعني أكثر مما يمكن أن تنتجه جمل لغوية. وهذا يعني معرفة ما هو المناسب قوله لشخص ما وفي مناسبة ما، وفهم المعتقدات والقيم المتمثلة في أشكال متعددة من الاستخدامات اللغوية.

وأختم بالقول إن اندماج الثقافة في التعليم يشكل عنصرًا حيويًا في تعليم اللغة الثانية، وينبغي على معلمي اللغة الثانية إبراز العناصر الثقافية في كل جانب لغوي يعلمونه، فيمكن لمتعلم اللغة الثانية النجاح في التحدث بها مع أبنائها إذا كانت القضايا الثقافية في مجتمع اللغة الثانية تعدّ جزءًا لا يتجزأ من المنهاج التعليمي الذي يعلم تلك اللغة.

About these ads